محمد بن محمد ابو شهبة
215
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ما بلغني من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وكرم أخلاقك ، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك ، فذكر ذلك لعمه أبي طالب ، فقال له : إن هذا لرزق ساقه اللّه إليك . وفي رواية أخرى أن أبا طالب هو الذي عرض على النبي أن يعمل لها في تجارتها ، وأنها - ولا شك - ستفضله على غيره ، وأن أبا طالب هو الذي سعى إليها ، وقال لها : هل لك يا خديجة أن تستأجري محمدا ؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين ، ولن نرضى لمحمد إلا بأربعة أبكار ، فقالت هذه الكلمة التي تنم عن تقدير صادق ، وحس مرهف ، وشعور يفيض بالحب والحنان : لو طلبت هذا لبغيض بعيد لأجبتك ، فكيف ، وقد طلبته لحبيب قريب ! ! فرجع الشيخ أبو طالب مغتبطا ، وحدّث ابن أخيه بما سمع ، ولا تسل عما كان لهذه الكلمات الصادقة من أثر في نفس النبي الشاب . الخروج بالتجارة ثم خرج النبي بتجارة خديجة إلى الشام وكانت سنّه تخطو إلى الخامسة والعشرين ، وكان خروجه لأربع عشرة ليلة من ذي الحجة ومعه غلام خديجة ( ميسرة ) ، حتى وصل سوق ( بصرى ) في رواية ، وسوق حباشة « 1 » في رواية أخرى بتهامة ، فنزل تحت ظل شجرة في سوق بصرى قريبا من صومعة راهب يسمى ( نسطورا ) « 2 » فقال : يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال : رجل من قريش من أهل الحرم ، فقال الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة - وفي رواية بعد عيسى - إلا نبيّ ! ! . ولا تسل عما غمر نفس ميسرة من حب ، وتقدير ، وإكبار لسيده محمد ، لقد رأى تظليل الغمام له في مسيره هذا ، ولمس عن كثب الكثير من أخلاقه ،
--> ( 1 ) بضم الحاء المهملة ، وفتح الباء المواحدة ، فألف ، فشين معجمة ، فتاء تأنيث ، قال في الروض الأنف : سوق من أسواق العرب . ( 2 ) بفتح النون وسكون السين ، وضم الطاء وألف مقصورة .